شهدت الرياض خلال السنوات الأخيرة طفرة ثقافية غير مسبوقة. فالمؤسسات الفنية والمهرجانات والبرامج العامة باتت تملأ الفضاء الحضري، وتحوّل حياة السكان اليومية إلى رحلة مدهشة بين أعمال الفن المعاصر والتراث. لم يعد إقتناء الفن نشاطًا نخبوياً يقتصر على قلة من الهواة، بل أصبح جزءًا من نمط حياة يعكس رؤية المملكة 2030 ويعزز قيمة المجتمع عالميًا. كمعماري وممارس في مجال الفن، عايشتُ هذه التحولات عن قرب، وشهدتُ كيف صاغت ممارسات الإقتناء والحضور الثقافي بيئة حضرية جديدة تعيد تعريف الهوية السعودية.
لكي نفهم اللحظة الحالية ينبغي أن نعود إلى تفاصيل تسبق العناوين المعاصرة وهي لحظة بداية المبادرات الفنية في المملكة العربية السعودية بعد إدراجها داخل منظومة التعليم الحكومي ففي أواخر خمسينيات القرن الماضي، عبر معارض طلابية ودعوات عامة تعاملت مع الثقافة البصرية بوصفها جزءًا من مشروع التنمية الوطنية. منذ منتصف الستينيات، أخذت الممارسات الفنية تتبلور في صورة حركة عبر معارض احترافية مبكرة، حيث أصر الجيل الأول من الفنانين على أن الثقافة المحلية ليست خلفية، بل موضوع رئيسي. هذه البدايات تُعاد اليوم أرشفتها ودراستها، كما يظهر في معرض «بدايات» الذي قدمته هيئة الفنون البصرية في المتحف الوطني لتعريف الجمهور بتاريخ الفن السعودي وبداية الحركة الفنية المعاصرة.
البنية التحتية التي أنبتت الفن الحديث
لم ينمُ الفن السعودي من فراغ، بل وُلد من بنية تحتية للتعليم والمنح الدراسية والبعثات الخارجية، مع إيمان عبّر عنه الرواد بأن اللغة البصرية المحلية يجب أن تنبع من الثقافة المحلية. خلال الستينيات والسبعينيات، أسهمت المنح والدراسة بالخارج في تكوين جيل عاد بتقنيات وثقة لكنه ظل مرتبطًا بسؤال الهوية. وبرز في تلك الفترة أسماء مثل عبدالحليم رضوي ومحمد السليم و غيرهم اما في العنصر النساء مثل صفية بن زقر ومنيرة موصلي اللواتي أسهمن في التعليم الفني والمعارض.
إدراكًا لأهمية التعليم، أُنشئ معهد التربية الفنية بالرياض عام 1965 لتدريب المعلمين وإعداد المناهج. لذلك، ليس غريبًا أن تُصبح أعمال بن زقر، التي توثق العادات والحياة الاجتماعية السعودية، من أكثر الأعمال تقديرًا اليوم؛ فهي تسجل تفاصيل الحياة دون تحويلها إلى زخارف سطحية.
مشهد ثقافي متكامل في الرياض
شهد العقد الأخير نقله نوعية دمج الفن بالمشهد الحضري والذي يهدف إلى تعزيز جودة الحياة وتوفير منصات للتبادل الثقافي والإبداعي مما يعكس بُعده العالمي جاعلاً الفن جزءًا من النسيج الاجتماعي ومستقبلاً مشرقًا للابتكار ، ففي هذا النظام الثقافي المتكامل ثلاثة أعمدة أساسية أسهمت في هذه النهضة:
الحوكمة الثقافية الوطنية: وزارة الثقافة التي تأسست عام 2018 أنشأت لجانًا قطاعية وإطارًا وطنيًا يربط الثقافة بجودة الحياة والنمو الاقتصادي. كما لعبت هيئة الفنون البصرية دورًا في بناء منظومة مستدامة للفنون البصرية تتردد أصداؤها عالميًا.
التكليفات على مستوى المدينة: يُعد برنامج «الرياض للفنون» أحد المشاريع الكبرى التي أطلقت عام 2019 بهدف تحويل العاصمة إلى «معرض بلا جدران» من خلال تركيب ألف عمل فني في الأحياء والحدائق ووسائل النقل. البرنامج يهدف إلى إثراء الحياة، وتشجيع التعبير الإبداعي، وإشعال الاقتصاد الإبداعي . من ضمن مشروعاته مهرجان «نور الرياض»، الذي تحول إلى أكبر مهرجان للفنون الضوئية في العالم؛ فقد تضاعف عدد الأعمال فيه ثلاث مرات بحلول 2022 ليضم 200 عمل لـ130 فنانًا موزعين على 40 موقعًا، وحصد ستة أرقام قياسية في موسوعة غينيس. يؤكد القائمون عليه أن ما لا يقل عن 30٪ من المشاركين سعوديون لضمان صعود المواهب المحلية. وهناك أيضًا فعالية طويق للنحت الذي يجمع النحاتين لصنع أعمال تبقى في المشهد الحضري.
كما أسست وزارة الثقافة مؤسسة بينالي الدرعية عام2020 بهدف تحفيز الحوار العالمي بين المجتمعات الفنية المتنوعة في المملكة والعالم فيما يلعب بينالي دورا محورياً في تطوير التعبير الإبداعي وتقدير الفنون وقوتها التحويلية كما أكدت القيّمة فيتوریا ماتاريسي أن المعروضات تكشف كيف أسهم المقتنون السعوديون والمؤسسات في خلق سرديات تربط بين التراث والابتكار، وتدعو الجمهور للتعرف على المسار الفني السعودي من رواده إلى أصواته المعاصرة.
التعليم المتخصص: لا يتطور سوق مقتني الفن دون وجود صانعين ونقاد ومنسقين ومؤرخين. فيما يعمل معهد مسك للفنون، والذي يعرف بأنه منظمة غير ربحية تأسست في 2017، على تمكين الفنانين الناشئين عبر التعليم والدورات والمنح. كما أعلنت جامعة الملك سعود إنشاء كلية للفنون تضم أقسامًا للفنون البصرية والأدائية والتصميم؛ وفي نهاية 2025 أعلن عن إنشاء جامعة الرياض للفنون، مع تعاون دولي مع الكلية الملكية للفنون في لندن لبناء مناهج بمعايير عالمية.
من العادات إلى القطع القابلة للاقتناء
حتى وقت قريب، كان اقتناء الفن نشاطًا محدودًا يقتصر على العائلات الثرية، لكن الحراك الثقافي الأخير أدخل جيلًا جديدًا من المقتنين والمهتمين بالثقافة والفنون والذي أتاح للمجتمع زيارة مجموعات خاصة نادرًا ما تُعرض للجمهور، وساهم في إبراز دور المقتنين في صياغة سرد جديد للجماليات السعودية.
Vitturi chair designed by Arch. Abdulaziz K. Al Tayyash for ZAZA Maizon
كرسي فيتّوري من تصميم المعماري عبدالعزيز خالد الطياش لصالح زازا ميزون.
بصفتي معماريًا وممارسًا للفن، منحتني هذه المبادرات فضاءً حقيقيًا لدمج الفن في أعمالي. فالحياة اليومية السعودية زاخرة بالتفاصيل التصميمية؛ من إيماءات الضيافة ولغة المجالس إلى الزي التقليدي. انطلاقًا من هذا الثراء، حاولتُ تحويل تلك الإيماءات والعادات إلى تصاميم محسوسة تترجم الهوية بأصالة وانضباط. لهذا تعتمد كثير من الأعمال الفنية التي تخرج إلى العالم اليوم على فهمٍ عميق للثقافة السعودية، لا على الزخارف أو النسخ المباشر.
المزادات والشهادات ودلائل نضج السوق
يُساء فهم دور المزادات أحيانًا باعتبارها مؤسسات تحكم الذوق؛ لكنها في الواقع عبارة عن معيار للمصداقية توثق الملكية وتنشر الأبحاث وتتيح للجمهور الاطلاع. عندما تخصص دار مثل سوذبيز مزادًا لمدينة ما، فهي تراهن على نضوج طبقة من المقتنين وسرد ثقافي قادر على تحمل التدقيق العالمي. هذا ما أظهره مزاد الدرعية الأول عام 2025 حين حقق 17 مليون دولار وجذب مزايدين من 45 دولة مع مشاركة سعودية تُقارب الثلث. في 2026 أُقيم مزاد » أصول II « الذي ضم أعمالًا سعودية وعالمية «من بابلو بيكاسو إلى محمد السليم»، وتضمن افتتاح مكتب جديد في برج الفيصلية. في ذلك المزاد بيعت لوحة صفية بن زقر “مقهى في شارع المدينة” بأكثر من مليوني دولار بعد تقديرها بين 150 و200 ألف، لتصبح قصة عالمية لأنها متجذرة محليًا ليس لأنها تحاكي الأساليب الدولية.
في المقابل، أعلنت كريستيز حصولها على ترخيص تجاري في السعودية، ما يشير إلى حجم السوق المحلي وأهميته. ومع صعود الأسعار، تبرز مخاوف من تكرار الأعمال التي تستعير مظهر الحياة السعودية دون جوهرها. الحل ليس الإقصاء، بل رفع المعايير و إثبات المصدر، التركيز على الاتقان وليس الانتاج، اختيار المواد ذات الجودة، والأبحاث تحمي العمل من أن يكون مجرد ديكور. هنا تكمن قوة النظام الثقافي في الرياض؛ فهو يخلق بنية دفاع عن القيمة الثقافية ويدعم تحويل الحياة اليومية السعودية إلى لغة عالمية يقاس بها الفن.
